ابراهيم حاج عبدي الحياة - 25/04/09//
قد تتباين الآراء في شأن المذابح التي ارتكبها الأتراك بحق الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، وقد تختلف المبررات والأسباب والدوافع. لكن لا أحد يجرؤ على نفي هذه المذابح، في شكل قطعي وحاسم، على النحو الذي ظهر في برنامج «بلا حدود» الذي يقدمه الإعلامي احمد منصور على محطة «الجزيرة». ضيف البرنامج أمر الله ايشلر، كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي، لم يكتفِ بإنكار هذه «المجازر»، بل قلّب حقائق التاريخ حين صوّر الضحية جلاداً، والجلاد ضحية، إذ قال بلسان عربي فصيح بأن «الأرمن هم من ارتكبوا المذابح بحق الأتراك، لا العكس»؟!
القوميون الأتراك، ومهما بلغ تطرفهم، لا ينكرون هذه «الإبادة» بحق الأرمن جملة وتفصيلاً، بيد أنهم يختلفون في حيثياتها وظروفها وحجمها، فتارة يبحثون عن مبررات سياسية، إذ يعترفون بما جرى من قتل للأرمن في تلك الفترة، إلا أنهم لا يعتبرون الإجراء على انه نوع من «الإبادة الجماعية»، بل يعدونه جزءاًَ من الصراعات السياسية الداخلية والتوازنات الإقليمية، وتارة ثانية يشككون في الأرقام، إذ يرون بأن رقم مليون ونصف مليون، وهو عدد الضحايا حسب المصادر الأرمنية، رقم مبالغ فيه، فيخفضون الرقم إلى نحو 300 ألف أرمني. كل ذلك مقبول، أما وأن ينسف ايشلر هذه الحقائق التاريخية، فهذا أمر يستدعي المراجعة، ويثير أسئلة حول دور التلفزيون ومدى مسؤوليته في فتح «الفضاء»، على هذا النحو.
مقدم البرنامج، وعلى رغم اختياره الموفق لملف مهم كملف «إبادة الأرمن»، لم يكن موفقاً في اختيار الضيف الذي يشغل منصباً رسمياً في الحكومة التركية، ولن نتوقع منه، والحال كذلك، أن يهجر «رسميته»، فيتحدث بلسان المؤرخ المنصف، المنزّه عن أي غرض سياسي. ولم تستطع المكالمات الهاتفية السريعة أن تهزم «المستشار العتيد» الذي كان يتجاهل، بأعصاب باردة يحسد عليها، الأسئلة، ويغوص في صفحات التاريخ من دون أن يقدم معلومة تغني الموضوع المطروح، وبدت معلومات مقدم البرنامج، كذلك، ضحلة، فلم يتمكن من إحراج الضيف كما يفعل في ملفات أخرى.
إن قضية شائكة بحجم القضية المطروحة في البرنامج يستلزم استضافة مؤرخ منصف، يستطيع التحدث بموضوعية، ويستعرض الحقائق ويستعين بأرشيف الحكومات. وقد يرى بعضهم انه كان بإمكان منصور ان يجتهد قليلاً ويحاول مهاتفة الروائي التركي اورهان باموق، مثلاً، الفائز بنوبل الآداب، لكان سمع: «مليون أرمني و30 ألف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك»، هذا جزء من تصريح صحافي سابق لباموق عرّضه للمحاكمة، وتمت ملاحقته قضائياً أمام القضاء التركي بسبب «الإهانة الواضحة للأمة التركية»! من هنا، يفترض بالقائمين على الفضائيات توخي الحذر في مقاربة قضايا تتطلب كثيراً من التدقيق، والحرص.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق