برامج الثقافة بين الجد والاستسهال
معن البياري الحياة - 16/03/09//
أيهما أيسر على المشتغلين في الإعلام التلفزيوني، في برامج الحوار: المقابلات مع السياسيين والمسؤولين، أم مع الكتاب والمثقفين؟ حضور الأولين على الشاشات وفير، أخبارهم كثيرة، وغالباً ما تتعلق الأسئلة بالمستجدّات الحاضرة في أذهان الجميع. حال أهل الأدب والكتابة والفكر مغايرة، ولذلك، تحتاج محاوراتهم إلى نظر في الأرشيف، واطلاع جيد على إنتاجاتهم، وعلى آرائهم في غير واقعة ومناسبة ومسألة. ينبغي قراءة روايات الروائيين، ودواوين الشعراء، ودراسات المفكرين والمشتغلين بالاجتماع والتاريخ للوقوع على تجربتهم. فالمعروفون منهم عند قاعدة عريضة من مشاهدي التلفزيون قليلون، ونادرون منهم ذوو نجومية وجاذبية، من طراز نزار قباني ومحمود درويش.
لأن هذه بعض حال هؤلاء، يكون الإعداد لمقابلة تلفزيونية مع عمرو موسى أيسر منه لمقابلة مع جورج طرابيشي. وتكون محاورة خالد مشعل أقلّ جهداً من محاورة سعدي يوسف. وفي وسع كثر من صحافيي الفضائيات أن يجالس عمر البشير أو وليد المعلم أوغيرهما ، ويسألهما عن أحوال بلديهما المنظورة، أو عن الحال العربية الراهنة. وإذ لا تحفل الفضائيات بجديد علوية صبح أو محمد عابد الجابري أو هاشم غرايبة، فمن العسير أن تعثر على صحافيين فيها قادرين على محاورة هؤلاء ونظرائهم، في شؤون ما يكتبون، وفي ما يرون عن حال الثقافة العربية.
لا تحظى البرامج الحوارية مع الكتاب والأدباء والمفكرين باهتمام خاص لدى المسؤولين في الفضائيات العربية، وإن بدا أن ثمّة بعض الحرص على وجود برنامج من هذا النوع على الشاشات، للتنويع وتوسيع أعداد المشاهدين من ذوي الاهتمام بالثقافة والإبداعات الأدبية والفنية.
والملاحظ أن ثمة استسهالاً في إعداد هذه البرامج، من قبيل تكليف أيٍّ كان بها، من غير المؤهلين لها، فتُصادف أن حواراً مع الروائي فلان لم يستعد له المعدّ والمحاوِر بالإطلاع الجيد على منجزاته، واكتفيا بلململة نُتف عنه من الإنترنت. وربما يجد الضيف نفسه مطالباً بإشهار آراء في قضايا كبرى، من قبيل تخلف الأحوال السياسية العربية، وبتقديم اجتهادات في هموم ليست من مشاغل كتابته. ولا تعني الإشارة إلى هذا الأمر تشديداً على وجوب الاختصاص في الرواية والمسرح والفلسفة والقصة والنقد لدى العاملين في البرامج الثقافية في التلفزيونات العربية، لكنه للتأكيد على مقادير واجبة من المعرفة، وللإفادة من المحاورَين في شأن منجزاتهم، و- قبل ذلك وبعده - على حسن تقديم هؤلاء للمشاهدين، وتيسير التعريف بصنيعهم.
وبسبب عدم جذب المثقفين والكتاب والتشكيليين جماهيرية كافية تحمي برامج الحوارات معهم من انصراف المشاهدين عنها، يتم تنويع بعضها باستضافة نجوم وممثلين، ومذيعي فضائيات أيضاً، كما في « نلتقي ... مع بروين حبيب» على شاشة فضائية دبي، الذي يستضيف الروائي واسيني الأعرج والإعلامي فيصل القاسم والممثلة سميحة أيوب. وباختلاف السويّة والمستوى، يفعل ذلك برنامج جوزيف عيساوي «قريب جداً» على شاشة «الحرة».
وإذ يتم التسليم بأن محاورة تلفزيونية مع شاعر أو قاص عربي إذا حازت مشاهدة المهتمين بالأدب وكتابته، فقد تصيب نجاحاً وجدوى، فإن النجاح الجوهري هو في أن تتصف المقابلة بالحيوية، وفي أن تكشف عن جديد لدى الضيف، له أهميته في سياق الحديث عن مسار تجربته، وعن تصوراته واجتهادته، وكذلك بأن تكون الإطلالة على منتوجه وافية ما أمكن، تحضر في أثنائها مساءلة انتقادية أو نقدية في هذه المحطة أو تلك. فضلاً عن ذلك كله، وغيره كثير، يكون مهماً أن ينشدّ المشاهد إلى ما قد يسمع ويرى، فيُحدث لديه اهتماماً يدفعه إلى الرغبة في توسيع معرفته بالضيف وإبداعاته ومواقفه وأبحاثه.
وهنا تحديداً، يبدو مميزاً ما ينجزه جوزيف عيساوي في محاوراته ضيوفه، حين يقترب من مناطق شخصية لديهم، قد تفاجئ المشاهد في جرأة السؤال عنها، ولا يتم ذلك للتشويق فحسب، بل أحياناً للتواصل مع الجمهور. وثمة مسح في البرنامج، موفق على الأغلب، لمسار التجربة الكتابية والإبداعية عموماً. وفي البال، مثلاً، أن الحلقات مع المصري رؤوف مسعد والسعودي تركي الحمد والتونسي محمد أولاد أحمد، وفرّت مادة جاذبة، تحض على مزيد من التعرف العميق الى كتاباتهم.
يزاوج زاهي وهبي في «خليك في البيت» في «المستقبل» وأحمد علي الزين في «روافد» على «العربية « وبروين حبيب في «نلتقي ...» على شاشة دبي بين أسئلة عن العام والشخصي، ويحاولون التخفيف من إطار محدّد، ثقافي بحت، في محاوراتهم، غير أنهم في هذا كله، وفي غيره، على تفاوت واضح في ما بينهم في إجراء مقابلات ناجحة، لا تتنازل عن الجدّية ولا تسقط في الخفّة، وإن بالغ بعضهم أحياناً في الإحالات إلى ثرثرات هنا وهناك، وقصص زواج وحب ودسائس ونمائم جرائد.
وهنا، يمكن الزعم بأن في مقدور المقابلات التلفزيونية مع المثقفين والكتاب أن تحظى باستحسان فئات غير منظورة من المشاهدين، إذا ما التفتت إلى شؤون الحياة العامة وبعض القضايا السياسية المطروحة، بكيفيات تنتبه إلى التأمل فيها، وليس بالضرورة إلى إشهار مواقف وتفسيرات وعواطف في شأنها.
وفي هذا، نجحت محاورة أحمد المسلماني مثلاً في حلقة الحوار مع الكاتب إبراهيم أصلان في «الطبعة الأولى» على «دريم»، إذ اتصفت بهدوء جميل وعمق كبير، وكان أصلان بالغ الأناقة في حديثه عن مسارات سيرتيه، الشخصية والكتابية، وكان مهماً قوله أنه إذ يرفض اتفاق كامب ديفيد منذ توقيعه، فإنه صار حالياً يتساءل بينه وبين نفسه هل كانت ممكنة استعادة مصر سيناء من دون هذا الاتفاق. ونجحت كذلك محاورات سامي كليب، في «زيارة خاصة» على «الجزيرة» مع صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني، وكانت كاشفة ومضيئة، وذات فائدة للقراء... وهذا أقل ما ينبغي أن تتوافر عليه البرامج الحوارية الثقافية، حين تبتعد عن الاستسهال والارتجال وتنجو من الخفّة والثرثرة، ويتصف القائمون عليها بالدراية اللازمة، والثقافة الواجبة... وجاذبية الحضور، إن أمكن.