نشرت جريدة السفير تقريرا رائع أعجبني كثيرا عن كواليس برنامج
Doha debates أو مناظرات الدوحة البرنامج الذي يقدمه المذيع البريطاني الشهير
تيم سيباستيان و تعرضه قناة بي بي سي العالمية BBC World و الذي يناقش عادة قضايا تتعلق بالشرق الأوسط و المنطقة العربية و يستضيف البرنامج في معظم حلقاته أربعة ضيوف يتوسطهم مقدم البرنامج فيما يواجه الجمهور الحاضر داخل الاستديو هؤلاء الضيوف بأسئلة مباشرة إضافة إلى تصويتهم على السؤال المطروح و الذي يعرض المقدم نتيجته في آخر الحلقة .
تقرير السفير :جهينة الخالدي الدوحة :
لا تحلم بدخول استديو برنامج »مناظرات الدوحة« الذي يبث عبر »بي بي سي العالم«، مع الإعلامي المثير للجدل تيم سيباستيان من دون حجز مسبق ومؤكد. هنا عليك أن تتعامل مع النظام الانكليزي للبرامج التلفزيونية المحترفة. عشرات الأوراق بين أيدي المنظمين، تندرج الأسماء فيها حسب الفئات. واحدة للجمهور الذي يتكون أساساً من الطلاب وموظفي مؤسسات المدينة التعليمية الست عشرة، وأخرى للصحافيين. وإذا لم يكن اسمك على واحدة من تلك الأوراق التي تنتظرك عند الباب الخارجي، فالمشاركة مستحيلة حتى لو توسلت ورضيت بالتخلي عن كرسي تنزوي عليه لمدة ساعتين كاملتين.
يؤكد القيمون على البرنامج أنه يستقطب قرابة ٣٠٠ مليون مشاهد في ٢٠٠ بلد، أما داخل الأستوديو فتجد أكثر من ٣٥٠ مشارك، يملأون المقاعد قبل ساعات من تصوير الحلقة الجديدة ضمن سلسة السنة الخامسة من البرنامج.
لا يحق لهؤلاء الحراك أو تغيير أماكنهم. تسمع »أرجوك سيدي لا تتحرك، من فضلك يا آنسة اجلسي، تخلي عن العلكة، ولا تلصقيها تحت مقعدك، لا تحاولوا الحراك أو الخروج من الاستديو خلال التصوير، لدينا ست كاميرات، ونستطيع رؤيتكم.. وشكرا«. تنتهي سلسلة التحذيرات هذه مع ابتسامة.. ولكن صارمة أيضا. بعدها يحين وقت الإنصات والصمت. تسمع من مدير المسرح »واحد، اثنان، ثلاثة.. رحبوا بتيم سيباستيان وضيوفه«. تصفيق وانطلاق.
يدخل سيباستيان مع أربعة ضيوف، اثنان معارضان واثنان مواليان للمرشح الجمهوري جون ماكين في الحلقة التي تحمل عنوان »الشرق الأوسط سيكون في حال أفضل إذا وصل جون ماكين إلى البيت الأبيض؟«. ينطلق النقاش مع كل من الإعلامي حافظ الميرازي والمستشار السياسي الأميركي مايكل سيغنر (مؤيدان لأوباما)، والباحثة السياسية في مواضيع الشرق الأوسط والإرهاب والسلاح دانييل بليكتا، ووزير الثقافة الكويتي السابق والأكاديمي سعد العجمي (مؤيدان لماكين). يحظى كل من الضيوف بدقائق لتقديم مناظراتهم. يفتح باب الحوار مع الجمهور، ثم يحين موعد تصويت هذا الأخير عبر آلات متحكمة عن بعد، متصلة بأجهزة الكومبيوتر. تشتعل الحلقة بهجوم متبادل بين الطرفين، يقطعها تصفيق حاد من الجمهور لأجوبة الميرازي المدافعة عن سياسة أوباما. يدعّم ذلك نتيجة التصويت المعارضة لماكين بنسبة ٨٧ ٪ بين الجمهور، وهي أعلى نسبة تصويت لخيار معين في تاريخ البرنامج. أكثر من برنامج تفتح تجربة المشاركة داخل الاستوديو الباب على سؤال أكبر، يتعلق بماهية »مناظرات الدوحة« والسبب وراء صيته الذائع.
قد يبدأ الجواب من سؤال طُبع على الملف الأنيق الذي يوزع على الحضور »هل تساءلت يوماً ان كان الناس في المنطقة يوافقون على ما صوّته أنت في »مناظرات الدوحة«؟، إذاً الهدف الأساسي أن يتم إرساء طريقة تفكير نقدية في برنامج يعتبر جزءاً من مشاريع »مؤسسة قطر«. كما يحسب للبرنامج انه أدخل مروحة واسعة للحوار داخل المجتمع القطري والعربي المحافظ من جهة، وقدم للعالم جمهوراً عربياً مثقفاً سياسيا من جهة ثانية. يتنوع جمهور الحلقات بين جنسيات عربية مختلفة وحتى عالمية، تتعدى ربما العشرين.
يخوض الحاضرون نقاشا معمقا، ويطرحون أسئلة مركزة بلغة إنكليزية سليمة. يساهم المنظمون في تثقيف المشاركين عبر تقديم الملفات الطافحة بالمعلومات عن موضوع الحلقة، إضافة إلى سِيّر الضيوف وطبيعة البرنامج. يستطيع تيم سيباستيان ضبط إيقاع حلقة تلفزيونية ضخمة كهذه بصرامة، وسرعة بديهة. هو المقدم الذي يعتبر أحد عمالقة الإعلام في العالم، الذي اشتهر أيضا ببرنامجه الحواري »hard talk« عبر المحطة نفسها. تظهر التلقائية والعمق والقدرة على تقمص شخصية المحاور القاسي الشرس (التي يبالغ فيها احيانا)، من دون أي أخطاء تذكر، ومن دون استراحة أو توقف للتصوير لثانية واحدة.
من اللحظة التي تنطلق فيها أضواء الكاميرات الحمراء، لحين إطفائها بالكاد تحظى بالوقت لالتقاط أنفاسك من النقاش المتسارع والمتصاعد في الحلقة. المواضيع التي عالجها سيباستيان في برنامجه أكسبته ايضا أهمية اضافية، لا سيما ان التصويت جاء احيانا جريئا ومفاجئا. فقد طالت النقاشات داخل الأستديو مواضيع مثل حل جامعة الدول العربية، والتهديدات الأمنية الناجمة عن إيران، ومواطن قوة وضعف الأسرة، قضايا الطاقة، والقضية الفلسطينية في إطار العلاقات الدولية ـ العربية البالغة التعقيد، ضرورة إلغاء الفصل بين الجنسين في قطر (وكانت نتيجة التصويت ١٠٨ أصوات معارضة لموضوع إلغاء الفصل، مقابل ٨١ صوتا مؤيداً له)، الارهاب، السلاح، العمليات »الاستشهادية«. كثيراً ما يكون مثار الجدل في البرنامج هو هويات الضيوف لا الموضوع بحد ذاته، لا سيما عندما يحل السياسيون الاسرائيليون أو رجال الدين اليهود ضيوفا فيه.
وكان قد شارك في الحلقات السابقة على سبيل المثال رئيس الوزراء الماليزي السابق ماهاتير محمد، الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز، رئيس الحكومة الانتقالية العراقية إياد علاوي، الشيخ مصطفى سيريك مفتي البوسنة والهرسك والوزير الإسرائيلي الحاخام مايكيل ملكيور، ورئيس المعهد الأميركي العربي جيمس زغبي..